Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقِيلَ لِسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ما أشَدَّ هَذا الحَدِيثَ، فَقالَ سُفْيانُ: ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ . فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ١ ] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مِنَ الطّاعاتِ وإنْ كانَتْ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، إلّا أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَنْتَفِعُ بِها إذا أتى بِها لِوَجْهِ اللَّهِ، ولِطَلَبِ مَرْضاتِهِ، فَأمّا إذا أتى بِها لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ انْقَلَبَتِ القَضِيَّةُ، فَصارَتْ مَن أعْظَمِ المَفاسِدِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ رِعايَةُ أحْوالِ القَلْبِ في إخْلاصِ النِّيَّةِ، وتَصْفِيَةُ الدّاعِيَةِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَرَضٍ سِوى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النَّجْمِ: ٣٩]، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ“» وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ انْتَصَبَ ”﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾“ ؟ .
والجَوابُ: لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: لِأنَّهُ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ.