Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:102-103
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
حِينَ تَطْلُعُ مِن مَشْرِقِها يُشْبِهُ حالُها حالَ المَوْلُودِ عِنْدَما يُولَدُ، ثُمَّ لا يَزالُ يَزْدادُ ارْتِفاعُها، ويَقْوى نُورُها، ويَشْتَدُّ حَرُّها إلى أنْ تَبْلُغَ إلى وسَطِ السَّماءِ، فَتَقِفَ هُناكَ ساعَةً، ثُمَّ تَنْحَدِرُ ويَظْهَرُ فِيها نُقْصاناتٌ خَفِيَّةٌ إلى وقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ مِن وقْتِ العَصْرِ يَظْهَرُ فِيها نُقْصاناتٌ ظاهِرَةٌ فَيَضْعُفُ ضَوْؤُها ويَضْعُفُ حَرُّها، ويَزْدادُ انْحِطاطُها وقُوَّتُها إلى الغُرُوبِ، ثُمَّ إذا غَرَبَتْ يَبْقى بَعْضُ آثارِها في أُفُقِ المَغْرِبِ وهو الشَّفَقُ، ثُمَّ تَنْمَحِي تِلْكَ الآثارُ، وتَصِيرُ الشَّمْسُ كَأنَّها ما كانَتْ مَوْجُودَةً في العالَمِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ الخَمْسَةُ لَها وهي أُمُورٌ عَجِيبَةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، لا جَرَمَ أوَجَبَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ الخَمْسَةِ لَها صَلاةً، فَأوْجَبَ عِنْدَ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنَ الطُّلُوعِ صَلاةَ الفَجْرِ؛ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ العَظِيمَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ زَوالِ تِلْكَ الظُّلْمَةِ، وحُصُولِ النُّورِ، وبِسَبَبِ زَوالِ النَّوْمِ الَّذِي هو كالمَوْتِ، وحُصُولِ اليَقَظَةِ الَّتِي هي كالحَياةِ، ولَمّا وصَلَتِ الشَّمْسُ إلى غايَةِ الِارْتِفاعِ، ثُمَّ ظَهَرَ فِيها أثَرُ الِانْحِطاطِ أوْجَبَ صَلاةَ الظُّهْرِ؛ تَعْظِيمًا لِلْخالِقِ القادِرِ عَلى قَلْبِ أحْوالِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِنَ الضِّدِّ إلى الضِّدِّ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ بَعْدَ غايَةِ ارْتِفاعِها واسْتِعْلائِها مُنْحَطَّةً عَنْ ذَلِكَ العُلُوِّ، وآخِذَةً في سِنِّ الكُهُولَةِ، وهو النُّقْصانُ الخَفِيُّ، ثُمَّ لَمّا انْقَضَتْ مُدَّةُ الكُهُولَةِ، ودَخَلَتْ في أوَّلِ زَمانِ الشَّيْخُوخَةِ أوْجَبَ تَعالى صَلاةَ العَصْرِ.