Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:102-103
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يُفِيدُ وُجُوبَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وكانَ بَعْضُهم يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الوَتْرِ قالَ: لِأنَّ الزُّلَفَ جَمْعٌ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، فَلا بُدَّ وأنْ يَجِبَ ثَلاثُ صَلَواتٍ في اللَّيْلِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ .
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ [طـه: ١٣٠ ] . فَقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠] إشارَةٌ إلى الصُّبْحِ والعَصْرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، وكَما احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَكَذَلِكَ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (آناءِ اللَّيْلِ) جَمْعٌ وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، فَهَذا مَجْمُوعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأوْقاتِ الخَمْسَةِ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ.
واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الصَّلَواتِ بِهَذِهِ الأوْقاتِ الخَمْسَةِ في نِهايَةِ الحُسْنِ والجَمالِ نَظَرًا إلى المَعْقُولِ، وبَيانُهُ أنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أحْوالِ هَذا العالَمِ مَراتِبَ خَمْسَةً:
أوَّلُها: مَرْتَبَةُ الحُدُوثِ والدُّخُولِ في الوُجُودِ، وهو كَما يُولَدُ الإنْسانُ، ويَبْقى في النُّشُوءِ والنَّماءِ إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وهَذِهِ المُدَّةُ تُسَمّى سِنَّ النُّشُوءِ والنَّماءِ.