Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:102-103
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ -صاحِبُ النَّظْمِ-: قَوْلُهُ تَعالى: (وخُذُوا حِذْرَكم) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَأْتِيَ بِصَلاةِ الخَوْفِ عَلى جِهَةٍ يَكُونُ بِها حاذِرًا غَيْرَ غافِلٍ عَنْ كَيْدِ العَدُوِّ. والَّذِي نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ في هَذا المَوْضِعِ هو وجْهُ الحِذْرِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَوْمَئِذٍ بِذاتِ الرِّقاعِ كانَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فالمُسْلِمُونَ كانُوا مُسْتَدْبِرِينَ القِبْلَةَ، ومَتى اسْتَقْبَلُوا القِبْلَةَ صارُوا مُسْتَدْبِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، فَلا جَرَمَ أُمِرُوا بِأنْ يَصِيرُوا طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً في وجْهِ العَدُوِّ، وطائِفَةً مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وأمّا حِينَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُسْفانَ وبِبَطْنِ نَخْلٍ فَإنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ أصْحابَهُ طائِفَتَيْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَدُوَّ كانَ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، والمُسْلِمُونَ كانُوا مُسْتَقْبِلِينَ لَها، فَكانُوا يَرَوْنَ العَدُوَّ حالَ كَوْنِهِمْ في الصَّلاةِ فَلَمْ يَحْتاجُوا إلى الِاحْتِراسِ إلّا عِنْدَ السُّجُودِ، فَلا جَرَمَ لَمّا سَجَدَ الصَّفُّ الأوَّلُ بَقِيَ الصَّفُّ الثّانِي يَحْرُسُونَهم، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ وقامُوا تَأخَّرُوا وتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثّانِي وسَجَدُوا، وكانَ الصَّفُّ الأوَّلُ حالَ قِيامِهِمْ يَحْرُسُونَ الصَّفَّ الثّانِيَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (خُذُوا حِذْرَكم) يَدُلُّ عَلى جَوازِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أنّا لَوْ لَمْ نَحْمِلْها عَلى هَذا الوَجْهِ لَصارَ تَكْرارًا مَحْضًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ولَوَقَعَ فِعْلُ الرَّسُولِ بِعُسْفانَ وبِبَطْنِ نَخْلٍ عَلى خِلافِ نَصِّ القُرْآنِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.