Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:101
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ الِاحْتِمالِ ما ذَكَرْنا، وهو أنَّ القَصْرَ مُشْعِرٌ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّخْفِيفُ كَما يَحْصُلُ بِحَذْفِ بَعْضِ الرَّكَعاتِ فَكَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأنْ يُجْعَلَ الإيماءُ والإشارَةُ قائِمًا مُقامَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ لَفْظِ القَصْرِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الرَّكَعاتِ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ «عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، كَيْفَ نَقْصُرُ وقَدْ أمِنّا، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ ؟ فَقالَ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ“» وهَذا يَدُلُّ عَلى القَصْرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ هو القَصْرُ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ مَفْهُومًا عِنْدَهم مِن مَعْنى الآيَةِ.
الثّانِي: أنَّ القَصْرَ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يُؤْتى بِبَعْضِ الشَّيْءِ، ويُقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَأمّا أنْ يُؤْتى بِشَيْءٍ آخَرَ، فَذَلِكَ لا يُسَمّى قَصْرًا، ولا اقْتِصارًا، ومَعْلُومٌ أنَّ إقامَةَ الإيماءِ مُقامَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وتَجْوِيزَ المَشْيِ في الصَّلاةِ، وتَجْوِيزَ الصَّلاةِ مَعَ الثَّوْبِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ، لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ قَصْرًا، بَلْ كُلُّها إثْباتٌ لِأحْكامٍ جَدِيدَةٍ وإقامَةٌ لِشَيْءٍ مُقامَ شَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ تَفْسِيرُ القَصْرِ بِما ذَكَرْنا أوْلى.