Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:100
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى بَلَدٍ آخَرَ يَجِدْ في أرْضِ ذَلِكَ البَلَدِ مِنَ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْمِ أنْفِ أعْدائِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في بَلْدَتِهِ الأصْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن فارَقَ وذَهَبَ إلى بَلْدَةٍ أجْنَبِيَّةٍ فَإذِ اسْتَقامَ أمْرُهُ في تِلْكَ البَلْدَةِ الأجْنَبِيَّةِ، ووَصَلَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى أهْلِ بَلْدَتِهِ خَجِلُوا مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ، ورَغِمَتْ أُنُوفُهم بِسَبَبِ ذَلِكَ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا أقْرَبُ مِن حَمْلِهِ عَلى ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والحاصِلُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الإنْسانُ، إنَّكَ كُنْتَ إنَّما تَكْرَهُ الهِجْرَةَ عَنْ وطَنِكَ؛ خَوْفًا مِن أنْ تَقَعَ في المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ في السَّفَرِ، فَلا تَخَفْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيكَ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والمَراتِبِ العَظِيمَةِ في مُهاجَرَتِكَ ما يَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ أعْدائِكَ، ويَكُونُ سَبَبًا لِسَعَةِ عَيْشِكَ، وإنَّما قَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرَ رَغْمِ الأعْداءِ عَلى ذِكْرِ سَعَةِ العَيْشِ؛ لِأنَّ ابْتِهاجَ الإنْسانِ الَّذِي يُهاجِرُ عَنْ أهْلِهِ وبَلَدِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ ظُلْمِهِمْ عَلَيْهِ بِدَوْلَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ الأعْداءِ، أشَدُّ مِنَ ابْتِهاجِهِ بِتِلْكَ الدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها صارَتْ سَبَبًا لِسَعَةِ العَيْشِ عَلَيْهِ.