Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:94-96
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “، أنَّ ما يَنْوِيهِ المُؤْمِنُ مِن دَوامِهِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ لَوْ بَقِيَ أبَدًا خَيْرٌ لَهُ مِن عَمَلِهِ الَّذِي أدْرَكَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ، وأمّا المَعْقُولُ فَهو: أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ والعِباداتِ اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ فِيهِ لِلْمُجاهِدِ والقاعِدِ فَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ في الثَّوابِ، وإنْ كانَ القاعِدُ أكْثَرَ حَظًّا مِن هَذا الِاسْتِغْراقِ كانَ هو أكْثَرَ ثَوابًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] . فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلى المالِ، وفي الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ المالِ عَلى النَّفْسِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ .
وجَوابُهُ: أنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فالمُشْتَرِي قَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، والبائِعُ أخَّرَ ذِكْرَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُضايَقَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في آخِرِ المَراتِبِ.