Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:85
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأنْشَدَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ:
تَجَلَّدْ ولا تَجْزَعْ وكُنْ ذا حَفِيظَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي عَلى ما ساءَهم لَمُقِيتُ
الثّانِي: المُقِيتُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، يُقالُ: قُتُّ الرَّجُلَ إذا حَفَظْتَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ بِما يَقُوتُهُ، واسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ هو القُوتُ، وهو الَّذِي لا فَضْلَ لَهُ عَلى قَدْرِ الحِفْظِ، فالمُقِيتُ هو الحَفِيظُ الَّذِي يُعْطِي الشَّيْءَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأيُّ المَعْنَيَيْنِ كانَ فالتَّأْوِيلُ صَحِيحٌ، وهو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إيصالِ النَّصِيبِ والكِفْلِ مِنَ الجَزاءِ إلى الشّافِعِ مِثْلَ ما يُوصِلُهُ إلى المَشْفُوعِ فِيهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ولا يَنْتَقِصُ بِسَبَبِ ما يَصِلُ إلى الشّافِعِ شَيْءٌ مِن جَزاءِ المَشْفُوعِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى حافِظُ الأشْياءِ شاهِدٌ عَلَيْها لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِنا، فَهو عالِمٌ بِأنَّ الشّافِعَ يَشْفَعُ في حَقٍّ أوْ في باطِلٍ حَفِيظٌ عَلَيْهِ فَيُجازِي كُلًّا بِما عَلِمَ مِنهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى المَقْدُوراتِ صِفَةً كانَتْ ثابِتَةً لَهُ مِنَ الأزَلِ، ولَيْسَتْ صِفَةً مُحْدَثَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿وكانَ﴾ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ أنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ مِن وقْتِ كَذا أوْ حالِ كَذا، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حاصِلًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.