Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:83
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: وهو أنَّ العِلْمَ قَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الظَّنُّ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ شَرَطَ العِلْمَ في جَوازِ الشَّهادَةِ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّ عِنْدَ الظَّنِّ تَجُوزُ الشَّهادَةُ، فَثَبَتَ أنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمّى بِالعِلْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ هَذا الِاسْتِثْناءِ يُوهِمُ أنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ وقَعَ لا بِفَضْلِ اللَّهِ ولا بِرَحْمَتِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ. فَعِنْدَ هَذا اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا وُجُوهًا، قالَ بَعْضُهم: هَذا الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أذاعُوا﴾ وقالَ قَوْمٌ: راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ لا يُمْكِنُ أنْ تَزِيدَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ هَذِهِ الأحْكامِ الثَّلاثَةِ، ويَصِحُّ صَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فالتَّقْدِيرُ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا، فَأخْرَجَ تَعالى بَعْضَ المُنافِقِينَ عَنِ الإذاعَةِ كَما أخْرَجَهم في قَوْلِهِ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ .