Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:79
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ أنَّهُ ذَكَرَ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، كَأنَّهُ قالَ: أهَذا رَبِّي ؟ فَكَذا هَهُنا، كَأنَّهُ قِيلَ: الإيمانُ الَّذِي وقَعَ عَلى وفْقِ قَصْدِهِ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ واقِعًا مِنهُ، بَلْ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الكُفْرُ ما قَصَدَهُ وما أرادَهُ وما رَضِيَ بِهِ البَتَّةَ، أفَيَدْخُلُ في العَقْلِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ بِهِ ؟ فَإنّا بَيَّنّا أنَّ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الآيَةِ يَدْخُلُ فِيها الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ، أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (فَمِن تَعْسِكَ) فَنَقُولُ: إنْ صَحَّ أنَّهُ قَرَأ بِهَذِهِ الآيَةِ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَلا طَعْنَ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فالمُرادُ أنَّ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى أنَّها ورَدَتْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ هَذا الكَلامَ، لِأنَّهُ لَمّا أضافَ السَّيِّئَةَ إلَيْهِمْ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ كانَ المُرادُ أنَّها غَيْرُ مُضافَةٍ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ هَذا القائِلُ قَوْلَهُ: (فَمِن تَعْسِكَ) لا عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِنا: إنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ومِمّا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ إسْنادُ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَكَ إلّا الرِّسالَةُ والتَّبْلِيغُ، وقَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وما قَصَّرْتَ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾