Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:78
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لَمّا كانَ البُرْهانُ الدّالُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُسْتَنِدًا إلى اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ والجَلاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ مَعَ ظُهُورِهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، لِأنَّهُ لَوْ كانَ حُصُولُ الفَهْمِ والمَعْرِفَةِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعَجُّبِ مَعْنًى البَتَّةَ، لِأنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ حُصُولِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ هو أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَها وما أوْجَدَها، وذَلِكَ يُبْطِلُ هَذا التَّعَجُّبَ، فَحُصُولُ هَذا التَّعَجُّبِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما تَحْصُلُ بِإيجادِ العَبْدِ لا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لَيْسَ إلّا التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ والذَّمِّ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّها مُعارَضَةٌ بِالعِلْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أنَّهم لا يَفْقَهُونَ هَذِهِ الآيَةَ المَذْكُورَةَ في هَذا المَوْضِعِ، وهَذا يَقْتَضِي وصْفَ القُرْآنِ بِأنَّهُ حَدِيثٌ، والحَدِيثُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُحْدَثًا.