Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:69-70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
عَلى ذَلِكَ أيْضًا، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الثَّوابُ وإنْ كانَ واجِبًا لَكِنْ لا يَمْتَنِعُ إطْلاقُ اسْمِ الفَضْلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ إنَّما اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الثَّوابَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَهُ والتَّكْلِيفُ تَفَضُّلٌ، ولِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى العَقْلَ والقُدْرَةَ وأزاحَ الأعْذارَ والمَوانِعَ حَتّى تَمَكَّنَ المُكَلَّفُ مِن فِعْلِ الطّاعَةِ، فَصارَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن وهَبَ لِغَيْرِهِ ثَوْبًا كَيْ يَنْتَفِعَ بِهِ، فَإذا باعَهُ وانْتَفَعَ بِثَمَنِهِ جازَ أنْ يُوصَفَ ذَلِكَ الثَّمَنُ بِأنَّهُ فَضْلٌ مِنَ الواهِبِ فَكَذا هَهُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ هو الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ لِكَمالِ دَرَجَتِهِ كَأنَّهُ هو الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وأنَّ ما سِواهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الفَضْلُ هو مِنَ اللَّهِ، أيْ ذَلِكَ الفَضْلُ المَذْكُورُ، والثَّوابُ المَذْكُورُ هو مِنَ اللَّهِ لا مِن غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أبْلَغُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في تَوْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الطّاعَةِ وكَيْفِيَّةَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ، وذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ المُكَلَّفَ في كَمالِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ.