Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:69-70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: الصّالِحُونَ: والصّالِحُ هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ وفي عَمَلِهِ، فَإنَّ الجَهْلَ فَسادٌ في الِاعْتِقادِ، والمَعْصِيَةُ فَسادٌ في العَمَلِ، وإذا عَرَفْتَ تَفْسِيرَ الصِّدِّيقِ والشَّهِيدِ والصّالِحِ ظَهَرَ لَكَ ما بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مِنَ التَّفاوُتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ اعْتِقادُهُ صَوابًا وكانَ عَمَلُهُ طاعَةً وغَيْرَ مَعْصِيَةٍ فَهو صالِحٌ، ثُمَّ إنَّ الصّالِحَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ بِأنَّهُ هو الحَقُّ وأنَّ ما سِواهُ هو الباطِلُ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ تارَةً تَكُونُ بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ وأُخْرى بِالسَّيْفِ، وقَدْ لا يَكُونُ الصّالِحُ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ قائِمًا بِهَذِهِ الشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ شَهِيدًا كانَ صالِحًا، ولَيْسَ كُلُّ مَن كانَ صالِحًا شَهِيدًا، فالشَّهِيدُ أشْرَفُ أنْواعِ الصّالِحِ، ثُمَّ إنَّ الشَّهِيدَ قَدْ يَكُونُ صِدِّيقًا وقَدْ لا يَكُونُ، ومَعْنى الصِّدِّيقِ الَّذِي كانَ أسْبَقَ إيمانًا مِن غَيْرِهِ، وكانَ إيمانُهُ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ صِدِّيقًا كانَ شَهِيدًا، ولَيْسَ كُلُّ مَن كانَ شَهِيدًا كانَ صِدِّيقًا، فَثَبَتَ أنَّ أفْضَلَ الخَلْقِ هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبَعْدَهُمُ الصِّدِّيقُونَ، وبَعْدَهم مَن لَيْسَ لَهُ دَرَجَةٌ إلّا مَحْضَ دَرَجَةِ الشَّهادَةِ، وبَعْدَهم مَن لَيْسَ لَهُ إلّا مَحْضَ دَرَجَةِ الصَّلاحِ. فالحاصِلُ أنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ يَأْخُذُونَ الدِّينَ الحَقَّ عَنِ اللَّهِ، والأنْبِياءُ يَأْخُذُونَ