Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:69-70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّ الصِّدِّيقَ اسْمٌ لِمَن سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْلى الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ، أمّا بَيانُ أنَّهُ سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِأنَّهُ قَدِ اشْتَهَرَتِ الرِّوايَةُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«ما عَرَضْتُ الإسْلامَ عَلى أحَدٍ إلّا ولَهُ نَبْوَةٌ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ فَإنَّهُ لَمْ يَتَلَعْثَمْ» “ دَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمّا عَرَضَ الإسْلامَ عَلى أبِي بَكْرِ قَبِلَهُ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَتَوَقَّفْ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّ إسْلامَهُ تَأخَّرَ عَنْ إسْلامِ غَيْرِهِ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَّرَ حَيْثُ أخَّرَ عَرْضَ الإسْلامِ عَلَيْهِ، وهَذا لا يَكُونُ قَدْحًا في أبِي بَكْرٍ، بَلْ يَكُونُ قَدْحًا في الرَّسُولِ ﷺ وذَلِكَ كُفْرٌ، ولَمّا بَطَلَ نِسْبَةُ هَذا التَّقْصِيرِ إلى الرَّسُولِ عَلِمْنا أنَّهُ ﷺ ما قَصَّرَ في عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ، ولَمّا بَطَلَ نِسْبَةُ هَذا التَّقْصِيرِ إلى الرَّسُولِ عَلِمْنا أنَّهُ ﷺ ما قَصَّرَ في عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ، والحَدِيثُ دَلَّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ لَمْ يَتَوَقَّفِ البَتَّةَ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أسْبَقُ النّاسِ إسْلامًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ كانَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ في ذَلِكَ فَلِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ إسْلامَ عَلِيٍّ كانَ سابِقًا عَلى إسْلامِ أبِي بَكْرٍ، إلّا أنَّهُ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّ عَلِيًّا ما صارَ قُدْوَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّ عَلِيًّا كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ صَبِيًّا صَغِيرًا، وكانَ أيْضًا في تَرْبِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهُ بِالقَرابَةِ، وأبُو بَكْرٍ ما كانَ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهُ بِالقَرابَةِ، وإيمانُ مَن هَذا شَأْنُهُ يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْبَةِ سائِرَ النّاسِ في الإسْلامِ. وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا آمَنَ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ بِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ حَتّى أسْلَمُوا، فَكانَ إسْلامُهُ سَبَبًا لِاقْتِداءِ هَؤُلاءِ الأكابِرِ بِهِ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ أسْبَقَ النّاسِ إسْلامًا، وثَبَتَ أنَّ إسْلامَهُ صارَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ أفاضِلِ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ الإسْلامِ، فَثَبَتَ أنَّ أحَقَّ الأُمَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: