Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:66-68
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، وكَتَبَ عَلى المُهاجِرِينَ أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ولَوْ أنّا كَتَبْنا القَتْلَ والخُرُوجَ عَنِ الوَطَنِ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ رِياءً وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ ويَنْكَشِفُ كُفْرُهم، فَإذا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ كَلَّفْناهم بِالأشْياءِ السَّهْلَةِ فَلْيَتْرُكُوا النِّفاقَ ولْيَقْبَلُوا الإيمانَ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي بَكْرٍ القَفّالِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلى النّاسِ ما ذَكَرَ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا الكَلامِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ، وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ فَهو مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ، رُوِيَ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ناظَرَ يَهُودِيًّا، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّ مُوسى أمَرَنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَقَبِلْنا ذَلِكَ، وإنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُكم بِالقِتالِ فَتَكْرَهُونَهُ، فَقالَ: يا أنْتَ لَوْ أنَّ مُحَمَّدًا أمَرَنِي بِقَتْلِ نَفْسِي لَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.