Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:65
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
صفحة ١٣١
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في قِصَّةِ اليَهُودِيِّ والمُنافِقِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي.
والثّانِي: أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ نازِلَةٌ في قِصَّةٍ أُخْرى، وهو ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ في ماءٍ يَسْقِي بِهِ النَّخْلَ، فَقالَ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ أرْضَكَ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى أرْضِ جارِكَ“ فَقالَ الأنْصارِيُّ: لِأجْلِ أنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ» “ .
واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ في هَذا أنَّ مَن كانَتْ أرْضُهُ أقْرَبَ إلى فَمِ الوادِي فَهو أوْلى بِأوَّلِ الماءِ وحَقُّهُ تَمامُ السَّقْيِ، فالرَّسُولُ ﷺ أذِنَ لِلزُّبَيْرِ في السَّقْيِ عَلى وجْهِ المُسامَحَةِ، فَلَمّا أساءَ خَصْمُهُ الأدَبَ ولَمْ يَعْرِفْ حَقَّ ما أمَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المُسامَحَةِ لِأجْلِهِ أمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْتِيفاءِ حَقِّهِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، وحَمْلِ خَصْمِهِ عَلى مُرِّ الحَقِّ.