Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:64
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والكُفْرِ والإيمانِ والطّاعَةِ والعِصْيانِ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الإذْنِ الأمْرَ والتَّكْلِيفَ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ رَسُولًا إلّا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِطاعَتِهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الإذْنِ هو هَذا لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وما أذِنّا في طاعَةِ مَن أرْسَلْناهُ إلّا بِإذْنِنا وهو تَكْرارٌ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الإذْنِ عَلى التَّوْفِيقِ والإعانَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِتَوْفِيقِنا وإعانَتِنا، وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِنَ الكُلِّ طاعَةَ الرَّسُولِ، بَلْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ إلّا مِنَ الَّذِي وفَّقَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ وأعانَهُ عَلَيْهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وأمّا المَحْرُومُونَ مِنَ التَّوْفِيقِ والإعانَةِ فاللَّهُ تَعالى ما أرادَ ذَلِكَ مِنهم، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى مَذْهَبِنا.
* * *