Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:59
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفَرْعُ الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ مَعْناهُ فَرُدُّوهُ إلى واقِعَةٍ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَها، ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ فَرُدُّوها إلى واقِعَةٍ تُشْبِهُها، إذْ لَوْ كانَ المُرادُ بِرَدِّها رَدَّها إلى واقِعَةٍ تَخالِفُها في الصُّورَةِ والصِّفَةِ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ رَدُّها إلى بَعْضِ الصُّوَرِ أوْلى مِن رَدِّها إلى الباقِي، وحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الرَّدُّ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ: فَرُدُّوها إلى واقِعَةٍ تُشْبِهُها في الصُّورَةِ والصِّفَةِ. ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي قُلْناهُ يُؤَكَّدُ بِالخَبَرِ والأثَرِ، أمّا الخَبَرُ فَإنَّهم لَمّا «سَألُوهُ ﷺ عَنْ قُبْلَةِ الصّائِمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ» “ يَعْنِي المَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةَ الأكْلِ، كَما أنَّ القُبْلَةَ مُقَدِّمَةُ الجِماعِ، فَكَما أنَّ تِلْكَ المَضْمَضَةَ لَمْ تَنْقُضِ الصَّوْمَ، فَكَذا القُبْلَةُ. ولَمّا سَألَتْهُ الخَثْعَمِيَّةُ عَنِ الحَجِّ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ هَلْ يُجْزِي فَقالَتْ نَعَمْ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ» " وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: اعْرِفِ الأشْباهَ والنَّظائِرَ وقِسِ الأُمُورَ بِرَأْيِكَ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْناهُ مِن دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ ودَلالَةِ الخَبَرِ ودَلالَةِ الأثَرِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ أمْرٌ بِرَدِّ الشَّيْءِ إلى شَبِيهَهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المُشابَهَةَ في الصُّورَةِ والصِّفَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الحُكْمَ في غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ مُشابِهٌ لِلْحُكْمِ في مَحَلِّ النَّصِّ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قِياسَ الأشْباهِ، ويُسَمِّيهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ قِياسَ الطَّرْدِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صِحَّتِهِ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ هو أنَّهُ: رُدُّوهُ إلى شَبِيهِهِ، عَلِمْنا أنَّ الأصْلَ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في بابِ القِياسِ مَحْضُ المُشابَهَةِ، وهَذا بَحْثٌ فِيهِ طُولٌ، ومُرادُنا بَيانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِنْباطِ المَسائِلِ مِنَ الآياتِ، فَأمّا