Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:59
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الطّاعَةُ مُوافَقَةُ الإرادَةِ، وقالَ أصْحابُنا: الطّاعَةُ مُوافَقَةُ الأمْرِ لا مُوافَقَةُ الإرادَةِ. لَنا أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ طاعَةٌ، إنَّما النِّزاعُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادًا أمْ لا ؟ فَإذا دَلَلْنا عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَدْ لا يَكُونُ مُرادًا ثَبَتَ حِينَئِذٍ أنَّ الطّاعَةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ مُوافَقَةِ الإرادَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وخَبَرَهُ قَدْ تَعَلَّقا بِأنَّ الإيمانَ لا يُوجَدُ مِن أبِي لَهَبٍ البَتَّةَ، وهَذا العِلْمُ وهَذا الخَبَرُ يَمْتَنِعُ زَوالُهُما وانْقِلابُهُما جَهْلًا، ووُجُودُ الإيمانِ مُضادٌّ ومُنافٍ لِهَذا العِلْمِ ولِهَذا الخَبَرِ، والجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِن أبِي لَهَبٍ مُحالًا. واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ فَيَكُونُ عالِمًا بِكَوْنِهِ مُحالًا، والعالِمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُحالًا لا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُرِيدٍ لِلْإيمانِ مِن أبِي لَهَبٍ وقَدْ أمَرَهُ بِالإيمانِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ مُوافَقَةِ أمْرِهِ لا عَنْ مُوافَقَةِ إرادَتِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى أنَّ الطّاعَةَ اسْمٌ لِمُوافَقَةِ الإرادَةِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: