Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:56
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما يُقالُ: فُلانٌ ذاقَ العَذابَ، إذا أدْرَكَ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ وصَفَ أنَّهم كانُوا في أشَدِّ العَذابِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم ذاقُوا العَذابَ ؟
والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الذَّوْقِ الإخْبارُ بِأنَّ إحْساسَهم بِذَلِكَ العَذابِ في كُلِّ حالٍ يَكُونُ كَإحْساسِ الذّائِقِ المَذُوقَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْخُلُ فِيهِ نُقْصانٌ ولا زَوالٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاحْتِراقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ والمُرادُ مِنَ العَزِيزِ: القادِرُ الغالِبُ، ومِنَ الحَكِيمِ: الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ، وذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِن أنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ بَقاءُ الإنْسانِ في النّارِ الشَّدِيدَةِ أبَدَ الآبادِ ! فَقِيلَ: هَذا لَيْسَ بِعَجِيبٍ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ القادِرُ الغالِبُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، يَقْدِرُ عَلى إزالَةِ طَبِيعَةِ النّارِ، ويَقَعُ في القَلْبِ أنَّهُ كَرِيمٌ رَحِيمٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَتِهِ تَعْذِيبُ هَذا الشَّخْصِ الضَّعِيفِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ ؟ فَقِيلَ: كَما أنَّهُ رَحِيمٌ فَهو أيْضًا حَكِيمٌ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ. فَإنَّ نِظامَ العالَمِ لا يَبْقى إلّا بِتَهْدِيدِ العُصاةِ، والتَّهْدِيدُ الصّادِرُ مِنهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالتَّحْقِيقِ صَوْنًا لِكَلامِهِ عَنِ الكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ ذِكْرَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ هَهُنا في غايَةِ الحُسْنِ.