Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:53
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ بُخْلَهم كالمانِعِ مِن حُصُولِ المُلْكِ لَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ الِانْقِيادَ لِلْغَيْرِ أمْرٌ مَكْرُوهٌ لِذاتِهِ، والإنْسانُ لا يَتَحَمَّلُ المَكْرُوهَ إلّا إذا وجَدَ في مُقابَلَتِهِ أمْرًا مَطْلُوبًا مَرْغُوبًا فِيهِ، وجِهاتُ الحاجاتِ مُحِيطَةٌ بِالنّاسِ، فَإذا صَدَرَ مِن إنْسانٍ إحْسانٌ إلى غَيْرِهِ صارَتْ رَغْبَةُ المُحْسِنِ إلَيْهِ في ذَلِكَ المالِ سَبَبًا لِصَيْرُورَتِهِ مُنْقادًا مُطِيعًا لَهُ؛ فَلِهَذا قِيلَ: بِالبِرِّ يُسْتَعْبَدُ الحُرُّ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ هَذا بَقِيَتِ النَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَنْ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ خالِصًا عَنِ المُعارِضِ، فَلا يَحْصُلُ الِانْقِيادُ البَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ، ثُمَّ إنَّ المُلْكَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ فَقَطْ، وهَذا هو مُلْكُ المُلُوكِ، ومُلْكٌ عَلى البَواطِنِ فَقَطْ، وهَذا هو مُلْكُ العُلَماءِ، ومُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ مَعًا، وهَذا هو مُلْكُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. فَإذا كانَ الجُودُ مِن لَوازِمِ المُلْكِ وجَبَ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونُوا في غايَةِ الجُودِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ، لِيَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ سَبَبًا لِانْقِيادِ الخَلْقِ لَهم، وامْتِثالِهِمْ لِأوامِرِهِمْ. وكَمالُ هَذِهِ الصِّفاتِ حاصِلٌ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .