Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:49-50
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: التَّزْكِيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، ومِنهُ تَزْكِيَةُ المُعَدِّلِ لِلشّاهِدِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] وذَلِكَ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّقْوى، والتَّقْوى صِفَةٌ في الباطِنِ، ولا يَعْلَمُ حَقِيقَتَها إلّا اللَّهُ، فَلا جَرَمَ لا تَصْلُحُ التَّزْكِيَةُ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ» “ .
قُلْنا: إنَّما قالَ ذَلِكَ حِينَ قالَ المُنافِقُونَ لَهُ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا زَكّاهُ أوَّلًا بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ جازَ لَهُ ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أجَلَّ أنْواعِ الزَّكاةِ والطَّهارَةِ وأشْرَفَها هو الإيمانُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي يُزَكِّي مَن يَشاءُ دَلَّ عَلى أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى.