Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم حَتّى يَصِيرَ قَوْلُهم: ﴿راعِنا﴾ راعَيْنا، وكانُوا يُرِيدُونَ أنَّكَ كُنْتَ تَرْعى أغْنامًا لَنا، وقَوْلُهُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ ”لَيًّا“ لَوْيًا، لِأنَّهُ مَن لَوَيْتُ، ولَكِنَّ الواوَ أُدْغِمَتْ في الياءِ لِسَبْقِها بِالسُّكُونِ، ومِثْلُهُ الطَّيُّ. وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: كانُوا يَقُولُونَ: راعِنا ويُرِيدُونَ بِهِ الشَّتْمَ، فَذاكَ هو اللَّيُّ، وكَذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ وأرادُوا بِهِ لا سَمِعْتَ، فَهَذا هو اللَّيُّ.
الثّانِي: أنَّهم كانُوا يَصِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَّتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّوْقِيرِ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ.
الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَفْتِلُونَ أشْداقَهم وألْسِنَتَهم عِنْدَ ذِكْرِ هَذا الكَلامِ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، كَما جَرَتْ عادَةُ مَن يَهْزَأُ بِإنْسانٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الأفْعالِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لِطَعْنِهِمْ في الدِّينِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِأصْحابِهِمْ: إنَّما نَشْتُمُهُ ولا يَعْرِفُ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا لَعَرَفَ ذَلِكَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَعَرَّفَهُ خُبْثَ ضَمائِرِهِمْ، فانْقَلَبَ ما فَعَلُوهُ طَعْنًا في نُبُوَّتِهِ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءُوا بِالقَوْلِ المُحْتَمِلِ لِلْوَجْهَيْنِ بَعْدَما حَرَّفُوا وقالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا ؟