Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:43
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
حالَ كَوْنِكم جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، والمُرادُ بِعابِرِ السَّبِيلِ المُسافِرُ، فَيَكُونُ هَذا الِاسْتِثْناءُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الإقْدامُ عَلى الصَّلاةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الماءِ. قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: هَذا القَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ والقُرْبُ والبُعْدُ لا يَصِحّانِ عَلى نَفْسِ الصَّلاةِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، إنَّما يَصِحّانِ عَلى المَسْجِدِ.
الثّانِي: أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قُلْنا لَكانَ الِاسْتِثْناءُ صَحِيحًا، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قُلْتُمْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا؛ لَأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ عابِرَ سَبِيلٍ وقَدْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ بِسَبَبِ المَرَضِ الشَّدِيدِ - فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ أوْلى.
الثّالِثُ: أنّا إذا حَمَلْنا عابِرَ السَّبِيلِ عَلى الجُنُبِ المُسافِرِ فَهَذا إنْ كانَ واجِدًا لِلْماءِ لَمْ يَجُزْ لَهُ القُرْبُ مِنَ الصَّلاةِ البَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يُحْتاجُ إلى إضْمارِ هَذا الِاسْتِثْناءِ في الآيَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ واجِدًا لِلْماءِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلاةُ إلّا مَعَ التَّيَمُّمِ، فَيُفْتَقَرُ إلى إضْمارِ هَذا الشَّرْطِ في الآيَةِ، وأمّا عَلى ما قُلْناهُ فَإنّا لا نَفْتَقِرُ إلى إضْمارِ شَيْءٍ في الآيَةِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى.