Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ المَنعِ مِن هَذا الحَسَدِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أُصُولِ الأدْيانِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فَهو أنَّهُ تَعالى فَعّالٌ لِما يُرِيدُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، ولا مَجالَ لِأحَدٍ في مُنازَعَتِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ ولا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ صارَتْ أبْوابُ القِيلِ والقالِ مَسْدُودَةً، وطُرُقُ الِاعْتِراضاتِ مَرْدُودَةً. وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَهَذا الطَّرِيقُ أيْضًا مَسْدُودٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ فَهو أعْرَفُ مِن خَلْقِهِ بِوُجُوهِ المَصالِحِ ودَقائِقِ الحِكَمِ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا بُدَّ لِكُلِّ عاقِلٍ مِنَ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ ولِهَذا المَعْنى حَكى الرَّسُولُ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَنِ اسْتَسْلَمَ لِقَضائِي، وصَبَرَ عَلى بَلائِي، وشَكَرَ لِنَعْمائِي، كَتَبْتُهُ صِدِّيقًا وبَعَثْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الصِّدِّيقِينَ، ومَن لَمْ يَرْضَ بِقَضائِي، ولَمْ يَصْبِرْ عَلى بَلائِي، ولَمْ يَشْكُرْ لِنَعْمائِي، فَلْيَطْلُبْ رَبًّا سِوايَ» “ . فَهَذا هو الكَلامُ فِيما إذا تَمَنّى زَوالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ الإنْسانِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«لا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ، ولا يَسُومُ عَلى سَوْمِ أخِيهِ، ولا تَسْألُ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَقُومَ مَقامَها، فَإنَّ اللَّهَ هو رازِقُها» “ . والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ المُبالَغَةُ في المَنعِ مِنَ الحَسَدِ. أمّا إذا لَمْ يَتَمَنَّ ذَلِكَ بَلْ تَمَنّى حُصُولَ مِثْلِها لَهُ، فَمِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، إلّا أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: هَذا أيْضًا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، وزَوْجَةً مِثْلَ زَوْجَةِ فُلانٍ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُونُ صَلاحًا في دِينِي ودُنْيايَ ومَعادِي ومَعاشِي. وإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ كَثِيرًا لَمْ يَجِدْ دُعاءً أحْسَنَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ تَعْلِيمًا لِعِبادِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا يَتَمَنَّ أحَدٌ المالَ، فَلَعَلَّ هَلاكَهُ في ذَلِكَ المالِ كَما في حَقِّ ثَعْلَبَةَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ .