Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا ثَبَتَ أنَّ الذُّنُوبَ عَلى قِسْمَيْنِ بَعْضُها صَغائِرُ وبَعْضُها كَبائِرُ، فالقائِلُونَ بِذَلِكَ فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: الكَبِيرَةُ تَتَمَيَّزُ عَنِ الصَّغِيرَةِ في نَفْسِها وذاتِها، ومِنهم مَن قالَ: هَذا الِامْتِيازُ إنَّما يَحْصُلُ لا في ذَواتِها، بَلْ بِحَسَبِ حالِ فاعِلِيها، ونَحْنُ نَشْرَحُ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فالذّاهِبُونَ إلَيْهِ والقائِلُونَ بِهِ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا شَدِيدًا، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى بَعْضِها:
فالأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مَقْرُونًا بِذِكْرِ الوَعِيدِ فَهو كَبِيرَةٌ، نَحْوَ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، وقَذْفِ المُحْصَنَةِ، والزِّنا، والرِّبا، وأكْلِ مالِ اليَتِيمِ، والفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ مَسْعُودَ: افْتَتِحُوا سُورَةَ النِّساءِ، فَكُلُّ شَيْءٍ نَهى اللَّهُ عَنْهُ حَتّى ثَلاثٍ وثَلاثِينَ آيَةً فَهو كَبِيرَةٌ، ثُمَّ قالَ: مِصْداقُ ذَلِكَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ .
الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ: كُلُّ عَمْدٍ فَهو كَبِيرَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ ضَعِيفَةٌ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ كُلَّ ذَنْبٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ في العاجِلِ والعِقابِ في الآجِلِ، فالقَوْلُ بِأنَّ كُلَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ فَهو كَبِيرَةٌ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةً وقَدْ أبْطَلْناهُ.