Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنهِيّاتِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ:
أوَّلُها: الكُفْرُ.
وثانِيها: الفُسُوقُ.
وثالِثُها: العِصْيانُ.
فَلا بُدَّ مِن فَرْقٍ بَيْنَ الفُسُوقِ وبَيْنَ العِصْيانِ؛ لِيَصِحَّ العَطْفُ، وما ذاكَ إلّا لِما ذَكَرْنا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغائِرِ وبَيْنَ الكَبائِرِ، فالكَبائِرُ هي الفُسُوقُ، والصَّغائِرُ هي العِصْيانُ. واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: كَثْرَةُ نِعَمِ مَن عَصى.
والثّانِي: إجْلالُ مَن عَصى، فَإنِ اعْتَبَرْنا الأوَّلَ، فَنِعَمُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإنِ اعْتَبَرْنا الثّانِي فَهو أجَلُّ المَوْجُوداتِ وأعْظَمُها، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عِصْيانُهُ في غايَةِ الكِبَرِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَهو كَبِيرَةٌ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَما أنَّهُ تَعالى أجَلُّ المَوْجُوداتِ وأشْرَفُها، فَكَذَلِكَ هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وأغْنى الأغْنِياءِ عَنْ طاعاتِ المُطِيعِينَ وعَنْ ذُنُوبِ المُذْنِبِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ خِفَّةَ الذَّنْبِ.
الثّانِي: هَبْ أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبِيرَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها ذُنُوبٌ، ولَكِنَّ بَعْضَها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّفاوُتَ
صفحة ٦١