Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لِضَعْفِ الإنْسانِ خَفَّفَ تَكْلِيفَهُ ولَمْ يُثْقِلْ، والأقْرَبُ أنَّهُ يُحْمَلُ الضَّعْفُ في هَذا المَوْضِعِ لا عَلى ضَعْفِ الخِلْقَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى كَثْرَةِ الدَّواعِي إلى اتِّباعِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ كالوَجْهِ في أنْ يَضْعُفَ عَنِ احْتِمالِ خِلافِهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا الوَجْهَ أوْلى؛ لِأنَّ الضَّعْفَ في الخِلْقَةِ والقُوَّةِ لَوْ قَوّى اللَّهُ داعِيَتَهُ إلى الطّاعَةِ كانَ في حُكْمِ القَوِيِّ، والقَوِيُّ في الخِلْقَةِ والآلَةِ إذا كانَ ضَعِيفَ الدَّواعِي إلى الطّاعَةِ صارَ في حُكْمِ الضَّعِيفِ، فالتَّأْثِيرُ في هَذا البابِ لِضَعْفِ الدّاعِيَةِ وقُوَّتِها، لا لِضَعْفِ البَدَنِ وقُوَّتِهِ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ القاضِي، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ يَهْدِمُ أصْلَهُ، وذَلِكَ لَمّا سَلَّمَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ الفِعْلِ وعَدَمِهِ قُوَّةُ الدّاعِيَةِ وضَعْفُها، فَلَوْ تَأمَّلَ لَعَلِمَ أنَّ قُوَّةَ الدّاعِيَةِ وضَعْفَها لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِداعِيَةٍ أُخْرى مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، فَذاكَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَطَلَ القَوْلُ بِالِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.