Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالًا: وهو أنَّ الحَقَّ إمّا أنْ يَكُونَ ما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ الحَقُّ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، والآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَلِأنَّ عَلى هَذا القَوْلِ كُلَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يَحْصُلُ، فَإذا أرادَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا وجَبَ أنْ يَحْصُلَ التَّوْبَةُ لِكُلِّنا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَهو تَعالى يُرِيدُ مِنّا أنْ نَتُوبَ بِاخْتِيارِنا وفِعْلِنا، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ التَّوْبَةَ فِينا ويَحْصُلُ لَنا هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ.
والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ التَّوْبَةَ فِينا، والعَقْلُ أيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ في الماضِي، والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ في المُسْتَقْبَلِ، والنَّدَمُ والعَزْمُ مِن بابِ الإراداتِ، والإرادَةُ لا يُمْكِنُ إرادَتُها، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإذَنِ الإرادَةُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ فِعْلَ الإنْسانِ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا النَّدَمَ وهَذا العَزْمَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ هَذا البُرْهانُ العَقْلِيُّ دالًّا عَلى صِحَّةِ
صفحة ٥٥