Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنها نِكاحُ المُتْعَةِ وبَيانُهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحَرَّماتِ بِالنِّكاحِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ فَكانَ المُرادُ بِهَذا التَّحْلِيلِ ما هو المُرادُ هُناكَ بِهَذا التَّحْرِيمِ، لَكِنَّ المُرادَ هُناكَ بِالتَّحْرِيمِ هو النِّكاحُ، فالمُرادُ بِالتَّحْلِيلِ هَهُنا أيْضًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو النِّكاحَ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ والإحْصانُ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ سَمّى الزِّنا سِفاحًا لِأنَّهُ لا مَقْصُودَ فِيهِ إلّا سَفْحُ الماءِ، ولا يُطْلَبُ فِيهِ الوَلَدُ وسائِرُ مَصالِحِ النِّكاحِ، والمُتْعَةُ لا يُرادُ مِنها إلّا سَفْحُ الماءِ فَكانَ سِفاحًا، هَذا ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ. أمّا الَّذِي ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ: فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْنافَ مَن يَحْرُمُ عَلى الإنْسانِ وطْؤُهُنَّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أيْ: وأُحِلَّ لَكم وطْءُ ما وراءَ هَذِهِ الأصْنافِ، فَأيُّ فَسادٍ في هَذا الكَلامِ ؟ وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: الإحْصانُ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: الزِّنا إنَّما سُمِّيَ سِفاحًا؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ مِنهُ إلّا سَفْحُ الماءِ، والمُتْعَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنها سَفْحُ الماءِ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ مَأْذُونٍ فِيهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، فَإنْ قُلْتُمُ: المُتْعَةُ مُحَرَّمَةٌ، فَنَقُولُ: هَذا أوَّلُ البَحْثِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ؟ فَظَهَرَ أنَّ الكَلامَ رِخْوٌ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إنّا لا نُنْكِرُ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مُباحَةً، إنَّما الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّها مَشْرُوعَةٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في غَرَضِنا، وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّ تِلْكَ القِراءَةَ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِها لا تَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مَشْرُوعَةً، ونَحْنُ لا نُنازِعُ فِيهِ، إنَّما الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ النَّسْخَ طَرَأ عَلَيْهِ، وما ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلائِلِ لا يَدْفَعُ قَوْلَنا.