Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وكَوْنُهُما أُخْتَيْنِ يُناسِبُ هَذِهِ الحُرْمَةَ؛ لِأنَّ الأُخْتِيَّةَ قَرابَةٌ قَرِيبَةٌ، والقَرابَةُ القَرِيبَةُ تُناسِبُ مَزِيدَ الوُصْلَةِ والشَّفَقَةِ والكَرامَةِ، وكَوْنُ إحْداهُما ضَرَّةَ الأُخْرى يُوجِبُ الوَحْشَةَ العَظِيمَةَ والنَّفْرَةَ الشَّدِيدَةَ، وبَيْنَ الحالَتَيْنِ مُنافَرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَها أُخْتًا لَها يُناسِبُ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في النِّكاحِ، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ مَعَ الوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ يَدُلُّ بِحَسَبِ اللَّفْظِ عَلى كَوْنِ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ القَرابَةِ القَرِيبَةِ مانِعَةً مِنَ الجَمْعِ في النِّكاحِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها، فَكانَ الحُكْمُ المَذْكُورُ في الأُخْتَيْنِ مَذْكُورًا في العَمَّةِ والخالَةِ مِن طَرِيقِ الدَّلالَةِ، بَلْ هَهُنا أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ العَمَّةَ والخالَةَ يُشْبِهانِ الأُمَّ لِبِنْتِ الأخِ ولِبِنْتِ الأُخْتِ، وهُما يُشْبِهانِ الوَلَدَ لِلْعَمَّةِ والخالَةِ، واقْتِضاءُ مِثْلِ هَذِهِ القَرابَةِ لِتَرْكِ المُضارَّةِ أقْوى مِنِ اقْتِضاءِ قَرابَةِ الأُخْتِيَّةِ لِمَنعِ المُضارَّةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ مانِعًا مِنَ العَمَّةِ والخالَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى. الثّانِي: أنَّهُ نَصَّ عَلى حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِأُمَّهاتِ النِّساءِ فَقالَ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ ولَفْظُ الأُمِّ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلى العَمَّةِ والخالَةِ، أمّا عَلى العَمَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ مُخْبِرًا عَنْ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَأطْلَقَ لَفْظَ الأبِ عَلى إسْماعِيلَ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا، وإذا كانَ العَمُّ أبًا لَزِمَ أنْ تَكُونَ العَمَّةُ أُمًّا، وأمّا إطْلاقُ لَفْظِ الأُمِّ عَلى الخالَةِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] والمُرادُ أبُوهُ وخالَتُهُ، فَإنَّ أُمَّهُ كانَتْ مُتَوَفّاةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ الأُمِّ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلى العَمَّةِ والخالَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ مُتَناوِلًا لِلْعَمَّةِ والخالَةِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.