Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كُلُّ امْرَأةٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ مِن جِهَةِ أبِيكَ أوْ مِن جِهَةِ أُمِّكَ بِدَرَجَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ، بِإناثٍ رَجَعْتَ إلَيْها أوْ بِذُكُورٍ فَهي أُمُّكَ. ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ لَفْظَ الأُمِّ لا شَكَّ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ، فَأمّا في الجَدّاتِ فَإمّا أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، فَإنْ كانَ لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةً في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي الجَدّاتِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظًا مُتَواطِئًا أوْ مُشْتَرَكًا، فَإنْ كانَ لَفْظًا مُتَواطِئًا أعْنِي أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأُمِّ مَوْضُوعًا بِإزاءِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وبَيْنَ سائِرِ الجَدّاتِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ نَصًّا في تَحْرِيمِ الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي تَحْرِيمِ جَمِيعِ الجَدّاتِ، وأمّا إنْ كانَ لَفْظُ الأُمِّ مُشْتَرَكًا في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي الجَدّاتِ؛ فَهَذا يَتَفَرَّعُ عَلى أنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ أمْرَيْنِ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ فِيهِما مَعًا أمْ لا ؟ فَمَن جَوَّزَهُ حَمَلَ اللَّفْظَ هَهُنا عَلى الكُلِّ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَحْرِيمُ الجَدّاتِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ، ومَن قالَ: لا يَجُوزُ، فالقائِلُونَ بِذَلِكَ لَهم طَرِيقانِ في هَذا المَوْضِعِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَ الأُمِّ لا شَكَّ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ هَهُنا الأُمُّ الأصْلِيَّةُ، فَتَحْرِيمُ نِكاحِها مُسْتَفادٌ مِن هَذا الوَجْهِ، وأمّا تَحْرِيمُ نِكاحِ الجَدّاتِ فَغَيْرُ مُسْتَفادٍ مِن هَذا النَّصِّ، بَلْ مِنَ الإجْماعِ، والثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَرَّتَيْنِ، يُرِيدُ في كُلِّ مَرَّةٍ مَفْهُومًا آخَرَ، أمّا إذا قُلْنا: لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةٌ في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ مَجازٌ في الجَدّاتِ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ دَفْعَةً واحِدَةً في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا، وحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الطَّرِيقانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهُما فِيما إذا كانَ لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةً في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ، وفي الجَدّاتِ.