Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ فَيُخَصَّصُ بِأُولَئِكَ الحاضِرِينَ، فَإثْباتُ هَذا التَّحْرِيمِ في حَقِّ الكُلِّ إنَّما يُسْتَفادُ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ ثُبُوتِ هَذا التَّحْرِيمِ في الماضِي، وظاهِرُ اللَّفْظِ غَيْرُ مُتَناوِلٍ لِلْحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ فَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وخامِسُها: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلى كُلِّ أحَدٍ جَمِيعَ أُمَّهاتِهِمْ وجَمِيعَ بَناتِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى قابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، فَيَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلى كُلِّ أحَدٍ أُمَّهُ خاصَّةً، وبِنْتَهُ خاصَّةً، وهَذا فِيهِ نَوْعُ عُدُولٍ عَنِ الظّاهِرِ، وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: (حُرِّمَتْ) يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِسَبْقِ الحِلِّ، إذْ لَوْ كانَ أبَدًا مَوْصُوفًا بِالحُرْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ) تَحْرِيمًا لِما هو في نَفْسِهِ حَرامٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إيجادَ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ﴾ لَيْسَ تَجْدِيدَ التَّحْرِيمِ حَتّى يَلْزَمَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، بَلِ المُرادُ الإخْبارُ عَنْ حُصُولِ التَّحْرِيمِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ وحْدَهُ غَيْرُ كافٍ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *