Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
كانَ ضَرُورِيًّا مَنَعَ مِن صِحَّةِ التَّكْلِيفِ ؟ وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ مَعَ عِلْمِهِ الضَّرُورِيِّ بِوُجُودِ الإلَهِ المُثِيبِ المُعاقِبِ قَدْ يُقْدِمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، وأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ طاعَةُ العَبْدِ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ قالُوا: بِأنَّ هَذا يُوجِبُ زَوالَ التَّكْلِيفِ ؟ وأيْضًا: فَهَذا الَّذِي يَقُولُهُ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ في دارِ التَّكْلِيفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نَظَرِيًّا، فَإذا صارَ ضَرُورِيًّا سَقَطَ التَّكْلِيفُ: كَلامٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ في قَلْبِهِ العِلْمُ بِاللَّهِ إنْ كانَ تَجْوِيزُ نَقِيضِهِ قائِمًا في قَلْبِهِ، فَهَذا يَكُونُ ظَنًّا لا عِلْمًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَجْوِيزُ نَقِيضِهِ قائِمًا، امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ عِلْمٌ آخَرُ أقْوى مِنهُ وآكَدَ مِنهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى البَتَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ وبَيْنَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي تَذْكُرُها المُعْتَزِلَةُ كَلِماتٌ ضَعِيفَةٌ واهِيَةٌ، وأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، فَهو بِفَضْلِهِ وعَدَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، وبِعَدْلِهِ أخْبَرَ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ في وقْتٍ آخَرَ، ولَهُ أنْ يَقْلِبَ الأمْرَ فَيَجْعَلَ المَقْبُولَ مَرْدُودًا، والمَرْدُودَ مَقْبُولًا ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .