Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإذا عَرَفْتَ الجَوابَ عَنْ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ فَلْنَذْكُرِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الجَهالَةِ.
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كُلُّ مَن عَصى اللَّهَ سُمِّيَ جاهِلًا وسُمِّيَ فِعْلُهُ جَهالَةً، قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وقالَ حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [ يُوسُفَ: ٨٩] وقالَ تَعالى: ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] وقَدْ يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ حالَ ما يَذُمُّهُ عَلى فِعْلٍ: يا جاهِلُ لِمَ فَعَلْتَ كَذا وكَذا، والسَّبَبُ في إطْلاقِ اسْمِ الجاهِلِ عَلى العاصِي لِرَبِّهِ أنَّهُ لَوِ اسْتَعْمَلَ ما مَعَهُ مِنَ العِلْمِ بِالثَّوابِ والعِقابِ لَما أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَعْمِلْ ذَلِكَ العِلْمَ صارَ كَأنَّهُ لا عِلْمَ لَهُ، فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ سُمِّيَ العاصِي لِرَبِّهِ جاهِلًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَدْخُلُ فِيهِ المَعْصِيَةُ سَواءٌ أتى بِها الإنْسانُ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِها مَعْصِيَةً أوْ مَعَ الجَهْلِ بِذَلِكَ.