Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: عَرَفْناهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن ماتَ وخَلَفَ ابْنًا وبِنْتًا فَهَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ نَصِيبُ الِابْنِ الثُّلُثَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فَإذا كانَ نَصِيبُ الذَّكَرِ مِثْلَ نَصِيبِ الأُنْثَيَيْنِ، ونَصِيبُ الذَّكَرِ هَهُنا هو الثُّلُثانِ، وجَبَ لا مَحالَةَ أنْ يَكُونَ نَصِيبُ الِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، الثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: إذا ماتَ وخَلَفَ ابْنًا وبِنْتًا فَهَهُنا نَصِيبُ البِنْتِ الثُّلُثُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فَإذا كانَ نَصِيبُ البِنْتِ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ هو الثُّلُثَ، فَبِأنْ يَكُونَ نَصِيبُهُما مَعَ ولَدٍ آخَرَ أُنْثى هو الثُّلُثَ كانَ أوْلى؛ لِأنَّ الذَّكَرَ أقْوى مِنَ الأُنْثى. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يُفِيدُ أنَّ حَظَّ الأُنْثَيَيْنِ أزْيَدُ مِن حَظِّ الأُنْثى الواحِدَةِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ حَظُّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثى الواحِدَةِ وذَلِكَ عَلى خِلافِ النَّصِّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ حَظَّ الأُنْثَيَيْنِ أزْيَدُ مِن حَظِّ الواحِدَةِ فَنَقُولُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو الثُّلُثانِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، والرّابِعُ: أنّا ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى بِنْتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الثُّلُثَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ الواحِدَةِ مِنَ البَناتِ وحُكْمَ الثَّلاثِ فَما فَوْقَهُنَّ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الثِّنْتَيْنِ، وقالَ في شَرْحِ مِيراثِ الأخَواتِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فَهَهُنا ذَكَرَ مِيراثَ الأُخْتِ الواحِدَةِ والأُخْتَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْ مِيراثَ الأخَواتِ الكَثِيرَةِ، فَصارَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مُجْمَلًا مِن وجْهٍ ومُبَيَّنًا مِن وجْهٍ، فَنَقُولُ: لَمّا كانَ نَصِيبُ الأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كانَتِ البِنْتانِ أوْلى بِذَلِكَ، لِأنَّهُما أقْرَبُ إلى المَيِّتِ مِنَ الأُخْتَيْنِ، ولَمّا كانَ نَصِيبُ البَناتِ الكَثِيرَةِ لا يَزْدادُ عَلى الثُّلُثَيْنِ وجَبَ أنْ لا يَزْدادَ نَصِيبُ الأخَواتِ الكَثِيرَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ البِنْتَ لَمّا كانَتْ أشَدَّ اتِّصالًا بِالمَيِّتِ امْتَنَعَ جَعْلُ الأضْعَفِ زائِدًا عَلى الأقْوى، فَهَذا مَجْمُوعُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في هَذا البابِ، فالوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ الآيَةِ، والرّابِعُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ، والخامِسُ مِنَ القِياسِ الجَلِيِّ.