Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ انْتِصابَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ النَّصِيبَ اسْمٌ في مَعْنى المَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: قَسَمًا واجِبًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] أيْ قِسْمَةً مَفْرُوضَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أصْلُ الفَرْضِ الحَزُّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحَزُّ الَّذِي في سِيَةِ القَوْسِ فَرْضًا، والحَزُّ الَّذِي في القِداحِ يُسَمّى أيْضًا فَرْضًا، وهو عَلامَةٌ لَها تُمَيِّزُ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها، والفُرْضَةُ العَلامَةُ في مَقْسِمِ الماءِ، يَعْرِفُ بِها كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنَ الشُّرْبِ، فَهَذا هو أصْلُ الفَرْضِ في اللُّغَةِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَ أبِي حَنِيفَةَ خَصَّصُوا لَفْظَ الفَرْضِ بِما عُرِفَ وجُوبُهُ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ، واسْمَ الوُجُوبِ بِما عُرِفَ وجُوبُهُ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ، قالُوا: لِأنَّ الفَرْضَ عِبارَةٌ عَنِ الحَزِّ والقَطْعِ، وأمّا الوُجُوبُ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ السُّقُوطِ، يُقالُ: وجَبَتِ الشَّمْسُ إذا سَقَطَتْ، ووَجَبَ الحائِطُ إذا سَقَطَ، وسَمِعْتُ وجْبَةً يَعْنِي سَقْطَةً قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحج: ٣٦] يَعْنِي سَقَطَتْ، فَثَبَتَ أنَّ الفَرْضَ عِبارَةٌ عَنِ الحَزِّ والقَطْعِ، وأنَّ الوُجُوبَ عِبارَةٌ عَنِ السُّقُوطِ، ولا شَكَّ أنَّ تَأْثِيرَ الحَزِّ والقَطْعِ أقْوى وأكْمَلُ مِن تَأْثِيرِ السُّقُوطِ. فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّصَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ لَفْظَ الفَرْضِ بِما عُرِفَ وجُوبُهُ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ، ولَفْظَ الوُجُوبِ بِما عُرِفَ وجُوبُهُ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ.