Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثالِثُها: أنْ تَظْهَرَ أمانَةُ الوَصِيِّ وبَراءَةُ ساحَتِهِ، ونَظِيرُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَن وجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ ولا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ» “ فَأمَرَهُ بِالإشْهادِ لِتَظْهَرَ أمانَتُهُ وتَزُولَ التُّهْمَةُ عَنْهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا مِنَ الإجْماعِ والمَعْقُولِ أنَّ الأحْوَطَ هو الإشْهادُ. واخْتَلَفُوا في أنَّ الوَصِيَّ إذا ادَّعى بَعْدَ بُلُوغِ اليَتِيمِ أنَّهُ قَدْ دَفَعَ المالَ إلَيْهِ هَلْ هو مُصَدَّقٌ ؟ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: أنْفَقْتُ عَلَيْهِ في صِغَرِهِ هَلْ هو مُصَدَّقٌ ؟ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا يُصَدَّقُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: يُصَدَّقُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وأيْضًا قالَ الشّافِعِيُّ: القَيِّمُ غَيْرُ مُؤْتَمَنٍ مِن جِهَةِ اليَتِيمِ، وإنَّما هو مُؤْتَمَنٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، وطَعَنَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في هَذا الكَلامِ مَعَ السَّفاهَةِ الشَّدِيدَةِ وقالَ: لَوْ كانَ ما ذَكَرَهُ عِلَّةً لَنَفْيِ التَّصْدِيقِ لَوَجَبَ أنْ لا يُصَدَّقَ القاضِي إذا قالَ لِلْيَتِيمِ: قَدْ دَفَعْتُ إلَيْكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ، وكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ في الأبِ إذا قالَ بَعْدَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ: قَدْ دَفَعْتُ مالَكَ إلَيْكَ أنْ لا يُصَدَّقَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ، ويَلْزَمُهُ أيْضًا أنْ يُوجِبَ الضَّمانَ عَلَيْهِمْ إذا تَصادَقُوا بَعْدَ البُلُوغِ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ لِأنَّهُ أمْسَكَ مالَهُ مِن غَيْرِ ائْتِمانٍ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّ قَوْلَكَ هَذا لَبَعِيدٌ عَنْ مَعانِي الفِقْهِ، أمّا النَّقْضُ بِالقاضِي فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ القاضِيَ حاكِمٌ فَيَجِبُ إزالَةُ التُّهْمَةِ عَنْهُ لِيَصِيرَ قَضاؤُهُ نافِذًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَن قَضى القاضِي عَلَيْهِ بِأنْ يَنْسُبَهُ إلى الكَذِبِ والمَيْلِ والمُداهَنَةِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ القاضِي إلى قاضٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في وصِيِّ اليَتِيمِ، وأمّا الأبُ فالفَرْقُ ظاهِرٌ لِوَجْهَيْنِ: