Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطَيْنِ، أعْنِي البُلُوغَ وإيناسَ الرُّشْدِ يَجِبُ دَفْعُ المالِ إلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ تَعالى مَعَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ كَمالَ العَقْلِ؛ لِأنَّ إيناسَ الرُّشْدِ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ العَقْلِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ زائِدٌ عَلى العَقْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ أيْ مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرِهِمْ أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهم تُفَرِّطُونَ في إنْفاقِها وتَقُولُونَ: نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى فَيَنْزِعُوها مِن أيْدِينا، ثُمَّ قَسَمَ الأمْرَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوَصِيُّ غَنِيًّا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَقالَ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اسْتَعَفَّ عَنِ الشَّيْءِ وعَفَّ إذا امْتَنَعَ مِنهُ وتَرَكَهُ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اسْتَعَفَّ أبْلَغُ مِن عَفَّ كَأنَّهُ طالَبَ زِيادَةَ العِفَّةِ وقالَ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ الوَصِيَّ هَلْ لَهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِمالِ اليَتِيمِ ؟ وفي هَذِهِ المَسْألَةِ أقْوالٌ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن مالِ اليَتِيمِ وبِقَدْرِ أجْرِ عَمَلِهِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ لَهُ أنْ يَأْكُلَ بِقَدَرِ الحاجَةِ.