Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا إيناسُ الرُّشْدِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن تَفْسِيرِ الإيناسِ ومِن تَفْسِيرِ الرُّشْدِ، أمّا الإيناسُ فَقَوْلُهُ: (آنَسْتُمْ) أيْ عَرَفْتُمْ وقِيلَ: رَأيْتُمْ، وأصْلُ الإيناسِ في اللُّغَةِ الإبْصارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ﴾ [القصص: ٢٩] وأمّا الرُّشْدُ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ الرُّشْدَ الَّذِي لا تَعَلُّقَ لَهُ بِصَلاحِ مالِهِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هَذا مُرادًا، وهو أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُصْلِحٌ لِما لَهُ حَتّى لا يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا يَكُونَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ الغَيْرُ عَلى خَدِيعَتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُضَمُّ إلَيْهِ الصَّلاحُ في الدِّينِ ؟ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا بُدَّ مِنهُ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، والأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: الرُّشْدُ هو إصابَةُ الخَيْرِ، والمُفْسِدُ في دِينِهِ لا يَكُونُ مُصِيبًا لِلْخَيْرِ.
وثانِيها: أنَّ الرُّشْدَ نَقِيضُ الغَيِّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] والغَيُّ هو الضَّلالُ والفَسادُ وقالَ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] فَجَعَلَ العاصِيَ غَوِيًّا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّشْدَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مَعَ الصَّلاحِ في الدِّينِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ:
صفحة ١٥٤