Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ النِّحْلَةِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ (نِحْلَةً) أيْ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ النِّحْلَةَ في اللُّغَةِ العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ أخْذِ عِوَضٍ، كَما يَنْحَلُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ شَيْئًا مِن مالِهِ، وما أُعْطِيَ مِن غَيْرِ طَلَبِ عِوَضٍ لا يَكُونُ إلّا عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِإعْطاءِ مُهُورِ النِّساءِ مِن غَيْرِ مُطالَبَةٍ مِنهُنَّ ولا مُخاصَمَةٍ؛ لِأنَّ ما يُؤْخَذُ بِالمُحاكَمَةِ لا يُقالُ لَهُ نِحْلَةٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنْ حَمَلْنا النِّحْلَةَ عَلى الدِّيانَةِ فَفي انْتِصابِها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى آتَوهُنَّ مُهُورَهُنَّ دِيانَةً.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصَّدُقاتِ أيْ دِينًا مِنَ اللَّهِ شَرَعَهُ وفَرَضَهُ.
وأمّا إنْ حَمَلْنا النِّحْلَةَ عَلى العَطِيَّةِ فَفي انْتِصابِها أيْضًا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النِّحْلَةَ والإيتاءَ بِمَعْنى الإعْطاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وانْحَلُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أيْ أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عَنْ طِيبَةِ أنْفُسِكم.
والثّانِي: أنَّها نَصْبٌ عَلى الحالِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى الحالِ مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ آتُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ ناحِلِينَ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ.
والثّانِي: عَلى الحالِ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ مَنحُولَةً مُعْطاةً عَنْ طِيبَةِ الأنْفُسِ.