Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ سُنَّةَ الرَّجُلِ طَرِيقَتُهُ، وكانَ التَّزَوُّجُ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ ذَلِكَ سَنَةً لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» “ فَظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ يَقْتَضِي تَوَجُّهَ اللَّوْمِ عَلى مَن تَرَكَ التَّزَوُّجَ بِأكْثَرَ مِنَ الأرْبَعَةِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُثْبِتَ أصْلَ الجَوازِ.
واعْلَمْ أنَّ مُعْتَمَدَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ الحَصْرِ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: الخَبَرُ، وهو ما رُوِيَ «أنَّ غَيْلانَ أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقْ باقِيَهُنَّ»، ورُوِيَ «أنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعاوِيَةَ أسْلَمَ وتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقْ واحِدَةً“» .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ بِهَذا الخَبَرِ كانَ
صفحة ١٤٣
ذَلِكَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
والثّانِي: وهو أنَّ الخَبَرَ واقِعَةُ حالٍ، فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهُ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأرْبَعَةِ وبَيْنَ البَواقِي غَيْرُ جائِزٍ، إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ، أوْ بِسَبَبِ الرَّضاعِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ في هَذا الخَبَرِ فَلا يُمْكِنُ نَسْخُ القُرْآنِ بِمِثْلِهِ.