Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ الأصَمُّ: الفائِدَةُ فِيهِ: أنَّ العَقْلَ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّ الخَلْقَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، بَلْ ذَلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ أُمِّيًّا ما قَرَأ كِتابًا ولا تَلْمَذَ لِأُسْتاذٍ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ هَذا المَعْنى كانَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَكانَ مُعْجِزًا، فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ أجْمَعُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وصِغَرِ تِلْكَ النَّفْسِ ؟
صفحة ١٣١
قُلْنا: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ المُرادَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ زَوْجَ آدَمَ إذا خُلِقَتْ مِن بَعْضِهِ، ثُمَّ حَصَلَ خَلْقُ أوْلادِهِ مِن نُطْفَتِهِما ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا، جازَتْ إضافَةُ الخَلْقِ أجْمَعَ إلى آدَمَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ هَهُنا هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ أنَّثَ الوَصْفَ عَلى لَفْظِ النَّفْسِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] وقالَ الشّاعِرُ:
أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى فَأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ
قالُوا فَهَذا التَّأْنِيثُ عَلى لَفْظِ الخَلِيفَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ فِيهِ مَسائِلُ: