Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى ذَكَرَ عَقِيبَهُ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلى اليَتامى والنِّساءِ والضُّعَفاءِ، وكَوْنُ الخَلْقِ بِأسْرِهِمْ مَخْلُوقِينَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لَهُ أثَرٌ في هَذا المَعْنى، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الأقارِبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بَيْنَهم نَوْعُ مُواصَلَةٍ ومُخالَطَةٍ تُوجِبُ مَزِيدَ المَحَبَّةِ، ولِذَلِكَ إنَّ الإنْسانَ يَفْرَحُ بِمَدْحِ أقارِبِهِ وأسْلافِهِ، ويَحْزَنُ بِذَمِّهِمْ والطَّعْنِ فِيهِمْ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» “ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ شَفَقَةِ الخَلْقِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوا كَوْنَ الكُلِّ مِن شَخْصٍ واحِدٍ تَرَكُوا المُفاخَرَةَ والتَّكَبُّرَ وأظْهَرُوا التَّواضُعَ وحُسْنَ الخُلُقِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى المَعادِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُخْرِجَ مِن صُلْبِ شَخْصٍ واحِدٍ أشْخاصًا مُخْتَلِفِينَ، وأنْ يَخْلُقَ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ شَخْصًا عَجِيبَ التَّرْكِيبِ لَطِيفَ الصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ إحْياءُ الأمْواتِ وبَعْثُهم ونَشُورُهم، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى المَعادِ مِن هَذا الوَجْهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] .