Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَنا بِالتَّقْوى وذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى مُعَلَّلٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، ولا بُدَّ مِن بَيانِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذا الحُكْمِ وبَيْنَ ذَلِكَ الوَصْفِ، فَنَقُولُ: قَوْلُنا: إنَّهُ تَعالى خَلَقَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، مُشْتَمِلٌ عَلى قَيْدَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى خَلَقَنا، والثّانِي: كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ التَّخْلِيقِ، وهو أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَيْدَيْنِ أثَرٌ في وُجُوبِ التَّقْوى.
أمّا القَيْدُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ تَعالى خَلَقَنا، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا المَعْنى عِلَّةٌ لِأنْ يَجِبَ عَلَيْنا الِانْقِيادُ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى والخُضُوعُ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وبَيانُ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ خالِقًا لَنا ومُوجِدًا لِذَواتِنا وصِفاتِنا فَنَحْنُ عَبِيدُهُ وهو مَوْلًى لَنا، والرُّبُوبِيَّةُ تُوجِبُ نَفاذَ أوامِرِهِ عَلى عَبِيدِهِ، والعُبُودِيَّةُ تُوجِبُ الِانْقِيادَ لِلرَّبِّ والمُوجِدِ والخالِقِ.