Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:200
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١٢٧
ولْنَذْكُرْ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ: قالَ الحَسَنُ: اصْبِرُوا عَلى دِينِكم ولا تَتْرُكُوهُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والجُوعِ، وصابِرُوا عَلى عَدُوِّكم ولا تَفْشَلُوا بِسَبَبِ وُقُوعِ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: اصْبِرُوا مَعَ نَبِيِّكم وصابِرُوا عَدُوَّكم فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أصْبَرَ مِنكم، وقالَ الأصَمُّ: لَمّا كَثُرَتْ تَكالِيفُ اللَّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلَيْها، ولَمّا كَثُرَ تَرْغِيبُ اللَّهِ تَعالى في الجِهادِ في هَذِهِ السُّورَةِ أمَرَهم بِمُصابَرَةِ الأعْداءِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ورابِطُوا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَرْبِطَ هَؤُلاءِ خَيْلَهم في الثُّغُورِ ويَرْبِطَ أُولَئِكَ خَيْلَهم أيْضًا، بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ مُسْتَعِدًّا لِقِتالِ الآخَرِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن رابَطَ يَوْمًا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ مِثْلَ صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ لا يُفْطِرُ ولا يَنْتَقِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ» “ .
الثّانِي: أنَّ مَعْنى المُرابَطَةِ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوٌ يُرابَطُ فِيهِ، وإنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في انْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ.