Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:200
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، أمّا الأُصُولُ فَفِيما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وأمّا الفُرُوعُ فَفِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكالِيفِ والأحْكامِ نَحْوُ الحَجِّ والجِهادِ وغَيْرِهِما، خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى جَمِيعِ الآدابِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، ومِنها ما يَكُونُ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ المُصابَرَةِ.
أمّا الصَّبْرُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أنْواعٌ:
أوَّلُها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وعَلى مَشَقَّةِ اسْتِنْباطِ الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُخالِفِينَ.
وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ.
وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَنهِيّاتِ.