Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:195
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُضِيعُ نَفْسَ العَمَلِ، لِأنَّ العَمَلَ كُلَّما وُجِدَ تَلاشى وفَنِيَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُضِيعُ ثَوابَ العَمَلِ، والإضاعَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿لا أُضِيعُ﴾ نَفْيٌ لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إثْباتًا، فَيَصِيرُ المَعْنى: أنِّي أُوصِلُ ثَوابَ جَمِيعِ أعْمالِكم إلَيْكم، إذا ثَبَتَ ما قُلْنا فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَبْقى في النّارِ مُخَلَّدًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ بِإيمانِهِ اسْتَحَقَّ ثَوابًا، وبِمَعْصِيَتِهِ اسْتَحَقَّ عِقابًا، فَلا بُدَّ مِن وُصُولِهِما إلَيْهِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّمَ الثَّوابَ ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلى العِقابِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقَدِّمَ العِقابَ ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلى الثَّوابِ وهو المَطْلُوبُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِأنَّ مَعْناها أنَّهُ تَعالى قَبِلَ مِنهم أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وطاعاتِهِمْ ويُوصِلُ ثَوابَ تِلْكَ الأعْمالِ إلَيْهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ أوَّلًا طَلَبُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وثانِيًا إعْطاءَ الثَّوابِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ إجابَةٌ لَهم في إعْطاءِ الثَّوابِ، فَأيْنَ الإجابَةُ في طَلَبِ غُفْرانِ الذُّنُوبِ ؟ .