Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:191-192
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
تُذْهِبُ الغَفْلَةَ وتَجْذِبُ لِلْقَلْبِ الخَشْيَةَ كَما يُنْبِتُ الماءُ الزَّرْعَ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى فَإنَّهُ كانَ يُرْفَعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ» “ قالُوا وكانَ ذَلِكَ العَمَلُ هو التَّفَكُّرَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ أنْ يَعْمَلَ بِجَوارِحِهِ مِثْلَ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أعْلى مَراتِبِ الصِّدِّيقِينَ التَّفَكُّرُ في دَلائِلِ الذّاتِ والصِّفاتِ وأنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ باطِلٌ لا عِبْرَةَ بِهِ ولا التِفاتَ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ العِبادِ الصّالِحِينَ المُواظِبِينَ عَلى الذِّكْرِ والفِكْرِ أنَّهم ذَكَرُوا خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الدُّعاءِ:
صفحة ١١٣
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ إضْمارٌ وفِيهِ وجْهانِ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: التَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ في مَحالِّ الحالِ بِمَعْنى يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”﴿هَذا﴾“ في قَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقْتَ هَذا﴾ كِنايَةٌ عَنِ المَخْلُوقِ، يَعْنِي ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ العَجِيبَ باطِلًا، وفي كَلِمَةِ ”هَذا“ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .