Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:191-192
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ وهو ما يَتَّصِلُ بِتَقْرِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ ذَكَرَ بَعْدَها ما يَتَّصِلُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأصْنافُ العُبُودِيَّةِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والإقْرارُ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ بِالجَوارِحِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ اللِّسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ القَلْبِ والفِكْرِ والرُّوحِ، والإنْسانُ لَيْسَ إلّا هَذا المَجْمُوعَ، فَإذا كانَ اللِّسانُ مُسْتَغْرِقًا في الذِّكْرِ، والأرْكانُ في الشُّكْرِ، والجِنانُ في الفِكْرِ، كانَ هَذا العَبْدُ مُسْتَغْرِقًا بِجَمِيعِ أجْزائِهِ في العُبُودِيَّةِ، فالآيَةُ الأُولى دالَّةٌ عَلى كَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ العُبُودِيَّةِ، فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ في جَذْبِ الأرْواحِ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وفي نَقْلِ الأسْرارِ مِن جانِبِ عالَمِ الغُرُورِ إلى جَنابِ المَلِكِ الغَفُورِ، ونَقُولُ: في الآيَةِ مَسائِلُ: